حسن الأمين
20
مستدركات أعيان الشيعة
الهند ، فعاد من غير عمل ، فوصل إلى بندر كمران ( 1 ) ، ومعه العدد والآلات ، وكثير من عسكر اللوند ومنهم الأمير سليمان الريس ، وكان فاتكا شجاعا ، ذا معرفة بالحروب ، خصوصا بالمدافع والبنادق « ( 2 ) وأحسبني لست في حاجة بعد كل هذا إلى تفصيل ما في حديث النهروالي عن تلك الأحداث من تخليط وتخبيط ، حتى ليصح فيه قول العامة : » من معرفته بالصحابة صلى على عنتر « ، فذلك أوضح من أن يحتاج إلى بيان . أسطورة النهروالي ذلك هو النهروالي ، وهذه أسطورته : « وقع في أول القرن العاشر ، من الحوادث الفوادح النوادر ، دخول [ الفرتقال ] البرتغال اللعين ، من طائفة الفرنج الملاعين ، إلى ديار الهند . وكانت طائفة منهم يركبون من زقاق سبتة في البحر ، ويلجون في الظلمات ، ويمرون بموضع قريب من جبال » القمر « ، بضم القاف وسكون الميم ، جمع أقمر ، أي أبيض ، وهي مادة أصل بحر النيل ، ويصلون إلى المشرق ، ويمرون بموضع قريب من الساحل في مضيق ، أحد جانبيه جبل ، والجانب الثاني بحر الظلمات ( 3 ) ، في مكان كثير الأمواج ، لا تستقر به سفائنهم ، وتنكسر ، ولا ينجو منهم أحد . واستمروا على ذلك مدة ، وهم يهلكون في ذلك المكان ولا يخلص من طائفتهم أحد إلى بحر الهند ، إلى أن خلص منهم غراب إلى الهند . فلا زالوا يتوصلون إلى معرفة هذا البحر ، إلى أن دلهم شخص ماهر يقال له أحمد بن ماجد ، صاحبه كبير الفرنج ، وكان يقال له » الملندي « ( 4 ) وعاشرة في السكر ، فعلمه الطريق في حال سكره ، وقال لهم ، لا تقربوا الساحل من ذلك المكان ، وتوغلوا في البحر ، ثم عودوا ، فلا تنالكم الأمواج . فلما فعلوا ذلك ، صار يسلم من الكسر كثير من مراكبهم ، فكثروا في بحر الهند ، وبنوا في كوة من بلاد الدكن قلعة يسمونها « كوتا » ، ثم أخذوا هرموز ، وتقووا هنالك ، وصارت الامدادات تترادف عليهم من البرتغال ، فصاروا يقطعون الطريق على المسلمين أسرا ونهبا ، ويأخذون كل سفينة غصبا ، إلى أن كثر ضررهم على المسلمين ، وعم آذاهم على المسافرين « ( 5 ) مناقشة أسطورة النهروالي وبغض النظر عما في هذه الأسطورة من خلط وتشويش واضطراب ، وأخطاء تاريخية وجغرافية ، فإنها لا تزعم أن أحمد بن ماجد هو الذي قاد البرتغاليين إلى الهند . بل أنها على النقيض من ذلك تؤكد أن وصولهم إليها قد تم دون معونة من أحد ، وهو ما لا يتفق مع الواقع التاريخي . كما تؤكد أن ابن ماجد لم يلتق ب « الملندي » إلا بعد أن « خلص منهم [ من البرتغاليين ] غراب إلى الهند » واستمروا يترددون عليها . وان كل ما عمله أحمد بن ماجد ، هو أنه ، بعد رجوع « الملندي » من الهند ، « علمه الطريق وقال لهم لا تقربوا الساحل من ذلك المكان ، وتوغلوا في البحر ثم عودوا ، فلا تنالكم الأمواج » . وأعتقد ، والله أعلم ، أن الأستاذ نجاتي صدقي ، كان محقا كل الحق ، حينما قرر « إن الوصف الذي ورد على لسان المؤرخ العربي النهروالي ، ينطبق على رحلة دياز ، وليس على رحلة فاسكو دي گاما » ( 6 ) ولا نعني بهذا أن كبير الفرنجة الذي صاحبه أحمد بن ماجد وعلمه الطريق في حال سكره ، كما يزعم النهروالي ، هو دياز ، وليس فاسكو دي گاما . فان ابن ماجد لم يجتمع باي منهما ، ولا باي برتغالي آخر ، وخاصة في التاريخ الذي تمت فيه زيارتاهما . وإنما نعني أن ذلك الوصف ، بغض النظر عن مصدره وتاريخه ، أقرب انطباقا على رحلة دياز ، منه على رحلة دي گاما ، لأن منطقة رأس الرجاء الصالح ، هي المنطقة الوحيدة على الطريق فيما بين البرتغال والهند ، التي يستلزم الوصول إليها ، اتباع تلك النصيحة : « لا تقربوا الساحل في ذلك المكان ، وتوغلوا في البحر ، ثم عودوا ، فلا تنالكم الأمواج » . فليس صحيحا أن برثلميو دياز « نجح في اجتياز رأس العواصف ( رأس الرجاء الصالح ) في ديسمبر 1488 م ، مستعينا طول الوقت بالملاحة الساحلية » ( 7 ) ، وليس صحيحا ، أن أي ربان ماهر ، يستطيع أن يدور حول هذه الرأس ، محتضنا الساحل طول الوقت « ( 8 ) أو على الأقل لم يكن الوضع في رأس الرجاء الصالح بهذه الصفة حينما بدأ البرتغاليون يترددون عليه . فعند ما أصبح دياز على مقربة من نهر البرتغال Orange River أثناء محاولته الوصول إلى طرف القارة الجنوبي ، عاكسته التيارات والرياح المضادة مدة خمسة أيام كان يجاوش ( 9 ) خلالها دون جدوى ، ثم طوحت به الرياح جنوبا مدة ثلاثة عشر يوما متوالية لم ير البر خلالها ، حتى تغيرت حرارة الجو ، وأخذ البرد يشتد كلما تقدموا نحو الجنوب ولما هدأت الرياح ، اتجه نحو الشرق ، وكان يعتقد أنه ما يزال بمحاذاة الساحل الإفريقي الغربي ، ولكنه لما لم ير البر بعد مدة ، اتجه شمالا ، فجاء إلى ما عرف بعد ذلك بخليج اللحم Flesh Bay في جنوب القارة الإفريقية ويقع إلى الشرق من رأس الرجاء الصالح ، ثم وأصل مسيره شرقا إلى أن بلغ ما سمي بنهر السمك الكبير Creat Fish River فجار بحارته بالشكوى وأجبروه على الرجوع . وأثناء عودته إلى الغرب ، جاء إلى رأس الرجاء الصالح الذي كان قد تجاوزه من قبل دون أن يراه حينما طوحت به الرياح . أما فاسكو دي گاما ، فقد أفاد من تجارب دياز ، فلم يحاول الاقتراب
--> ( 1 ) وهذه أخرى من تخليطات النهروالي . فان احتلال المصريين لكمران لم يقع بعد عودة حسين الكردي من الهند ( حوالي سنة 915 ه ) أو بعد سنة 917 هكما يزعم النهروالي ، وإنما في بدء قيام الحملة المصرية الثانية ، وعلى التحديد في 17 ذي القعدة سنة 921 ه . وفي هذه الحملة لم يذهب حسين الكردي إلى الهند . ( 2 ) البرق اليماني ص 20 . ( 3 ) كيف يكون مضيقا وأحد جانبيه بحر ؟ . ( 4 ) Almirant نائب أمير البحر . ( 5 ) البرق اليماني ص 19 . ( 6 ) عبد الله الماجد ، العرب س 3 ، ص 70 ، عن الأديب عدد أبريل 1968 ص 30 - 32 - لم يسعفني الحظ بالاطلاع على مقال الأستاذ نجاتي صدقي ، ولم أستطع الحصول على نسخة منه في دبي حينما شرعت في كتابة هذا المقال . ( 7 ) الدكتور عبد العليم ، الفوائد ( 8 ) المصدر السابق ص 839 . ( 9 ) جاوش ، يجاوش ، مجاوشة . من الاصطلاحات البحرية في الخليج : يعني التحايل على الريح . فمثلا إذا كان هدف سفينة ما في مهب الرياح ، فإنها تجاوش حتى تصل إلى غايتها ، أي تتحايل على الرياح بالانحراف إلى اليمين أو إلى الشمال ، والتوغل في البحر ، ثم العودة إلى الجهة التي بدأت فيها انحرافها ، مع انحراف نحو الجهة المضادة لانحرافها السابق ، مشكلة بذلك ما يشبه المثلث ، حتى إذا أصبحت محاذية لنقطة انحرافها الأول ، أصبح هدفها خلف ظهرها ، فتتجه إليه ، وتكون الرياح عندئذ وراءها ، بدلا من أن تكون في وجهها . ويمكن ترجمتها ترجمة دقيقة إلى الإنجليزية بكلمة Tack .